قرار دولي يدين تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر انطلاقا من ليبيا
طفل من كل أربعة أطفال في مناطق النزاع لا يذهب للمدرسة

الكشف عن تفاصيل جديدة لممارسة تعذيب الـ "سي آي إيه

الكشف عن تفاصيل جديدة لممارسة تعذيب الـ "سي آي إيه
معتقلان سابقان يكشفان ممارسة التعذيب والتي شملت التهديد بالكرسي الكهربائي، ضرب بالهراوات، ومختلف أساليب التعذيب بالمياه

(نيويورك) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن تونسيَّين احتُجزا سرا في معتقلات تديريها "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية ("سي آي إيه") وصفا أساليب تعذيب لم يُبلغ عنها سابقا، تكشف حقائق جديدة عن الأيام الأولى من برنامج الوكالة للتعذيب. الرجلان، رضا النجار (51 عاما) ولطفي العربي الغريسي (52 عاما)، رويا بشكل مستقل تعرضهما للضرب المبرح بالهراوات والتهديد بالكرسي الكهربائي، وتعرضهما لمختلف أشكال التعذيب بالماء، وتعليقهما بسقفيّ زنزانتيهما من أيديهما بالسلاسل لفترات طويلة.

 أعادت الولايات المتحدة الرجلين إلى تونس في 15 يونيو/حزيران 2015 بعد 13 عاما من الاحتجاز دون توجيه اتهامات أو محاكمة. كذلك لم تقدم إلى أي منهما دعما أو تعويضا على احتجازهما غير المشروع أو التعذيب الذي تعرضا له، ولم تساعدهما على مواجهة الضرر البدني والعقلي الذي تكبداه. اليوم هما معدمان، غير قادرين على العمل، ويعانيان من عواقب الصدمات الجسدية والعاطفية الخطيرة التي يعتقدان أنها نتيجة مباشرة للمعاملة في المعتقلات الأمريكية.

 قالت لورا بيتر، مستشارة أولى لشؤون الأمن القومي في برنامج الولايات المتحدة في هيومن رايتس ووتش: "هذه الروايات المرعبة عن أساليب التعذيب غير المعروفة التي اعتمدتها السي آي إيه تظهر قلة ما يعرفه الجمهور عن برنامج التعذيب الأمريكي. الإفراج عن هذين الرجلين دون أي مساعدة أو تعويض عن معاناتهما يظهر أن الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن تخطي برنامج التعذيب في السي آي إيه".

 قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن رجل تونسي احتُجز سابقا في معتقل سري لـ "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية ("سي آي إيه") وصف أساليب تعذيب لم يبلغ عنها سابقا، تكشف حقائق جديدة عن الأيام الأولى من برنامج الوكالة. لطفي العربي الغريسي (52 عاما)، روى تعرضه للضرب المبرح بالهراوات والتهديد بالكرسي الكهربائي، وتعرضه لمختلف أشكال التعذيب بالماء، وتعليقه بسقف زنزانته من يديه بالسلاسل لفترات طويلة.

قابلت هيومن رايتس ووتش النجار والغريسي آخر مرة في أغسطس/آب 2016. كانا من بين المعتقلين الـ 119 الذين اعترفت الولايات المتحدة باعتقالهم سرا من قبل السي آي إيه عندما أصدرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في ديسمبر/كانون الأول 2014 ملخصا شديد اللهجة من 499 صفحة ("ملخص مجلس الشيوخ") من أصل تقرير بطول 6700 صفحة، ما زال سريا، حول برنامج الاعتقال والاستجواب في الوكالة. قالت هيومن رايتس ووتش إن ملخص مجلس الشيوخ يحتوي على وصف غير كاف لمعاملة الرجلين أثناء احتجازهما لدى الوكالة.

 تسلط شهادتا النجار والغريسي المباشرتان الضوء على سوء المعاملة من قبل الوكالة خلال الأيام الأولى من برنامجها، قبل وفاة الأفغاني غول رحمن في عهدتها في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2002. ردا على وفاة رحمن وغيرها من الانتهاكات، أصدرت الوكالة لأول مرة مبادئ توجيهية رسمية لاستجواب المعتقلين، لكن المعتقلين استمروا في التعرض لمعاملة وحشية.

 اعتقلت القوات الأمريكية والباكستانية النجار في 22 مايو/أيار 2002 في مدينة كراتشي الجنوبية والغريسي في 24 سبتمبر/أيلول 2002 في شمال مدينة بيشاور قرب الحدود مع أفغانستان. يقول ملخص مجلس الشيوخ إن الوكالة عرّفت النجار بأنه حارس شخصي لأسامة بن لادن. قال الغريسي إن المحققين دائما ما اتهموه بكونه عضوا في تنظيم "القاعدة" أو على صلة بالإرهاب. لم تقدم الولايات المتحدة علنا معلومات تدعم هذه المزاعم التي نفاها كل من النجار والغريسي وقالا إنهما نفياها مرارا أمام المحققين.

 بعدها اعتقلتهما الوكالة واحتجزتهما في مواقع مختلفة في أفغانستان. الموقع الذي قالا إنهما عانيا فيه أكثر من غيره يدعى "كوبالت" في ملخص مجلس الشيوخ (المعروف باللغة العربية أيضا بـ "سجن حفرة الملح")، لكن النجار والغريسي أسمياه "السجن الأسود" – كما فعل سجناء سابقون آخرون احتجزوا في نفس المنشأة. في نهاية المطاف نقلتهما السلطات الأمريكية إلى الحجز العسكري الأمريكي في قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان.

 لم يسبق للنجار ولا الغريسي البوح بتفاصيل محنتيهما علنا. القيود الأمريكية على الاتصالات في باغرام منعت كلاهما من التواصل مع العالم الخارجي لدى احتجازهما من قبل الجيش الأمريكي. نقلت الولايات المتحدة النجار والغريسي إلى عهدة السلطات الأفغانية في 9 ديسمبر/كانون الأول 2014 وأعادتهما إلى تونس بعد 6 أشهر، في 15 يونيو/حزيران 2015. اعتقلتهما السلطات التونسية لفترة وجيزة ثم أفرجت عنهما بحلول نهاية الشهر.

 سعت تينا فوستر، المديرة التنفيذية لـ "شبكة العدالة الدولية"، خلال تواجد المعتقلَين في باغرام، إلى نيل مراجعة من قبل محكمة فدرالية لتقييم شرعية اعتقالهما. لكن المحاكم ردت طلبها بمنحهما حق المثول أمام القضاء وأيدت وزارة العدل الأمريكية، التي قالت إن باغرام لا يشملها اختصاص المحاكم الأمريكية. استأنفت فوستر لدى المحكمة العليا في الولايات المتحدة، لكن الاستئناف رُفض لكونه عديم الجدوى بعد الإفراج عن الرجلين. قالت فوستر إنه طوال تمثيلها المعتقلين، لم تسمح لها الحكومة الأمريكية بالتحدث إليهما.

 قابلت هيومن رايتس ووتش كل رجل في مكان منفصل بالاستعانة بمترجم للغة العربية. رغم أنهما تكلما مع بعضهما البعض في المعتقلات الأمريكية، قالا إنهما لم يتعرفا على بعضهما قبل اعتقالهما، ولم يتحدثا بالتفصيل عن سوء معاملتهما، ولم يتواصلا معا منذ إطلاقهما من الحجز في تونس.

 وصف النجار والغريسي أساليب مختلفة من التعذيب من قبل الوكالة، لم يُذكر بعضها سابقا:

 وصف النجار أشكال مختلفة من التعذيب بالماء، بما فيها الإيهام بالغرق أو صب الماء عليه وهو فوق لوح، "حتى لم أعد أستطع التنفس". قال الغريسي إنهم زجوا برأسه مرارا داخل دلو الماء حتى جعله "يتكلم".

قال كلاهما إن المحققين الأمريكيين أروهما ما قالوا إنه كرسي كهربائي – كرسي معدني مع مقابس متصلة بأسلاك لأصابع اليد وغطاء رأس متصل بالأسلاك – هددوهما باستخدامه معهما. التفاصيل التي قدمها كل منهما توحي بأن الكرسي رُكب بشكل مرتجل، وكان متصلا بأنبوب في الحائط.

قالا إنهما قُيّدا بقضبان متدلية من السقف طوال 24 ساعة متصلة مع فترات راحة قصيرة فقط للاستجواب أو غيره من أشكال التعذيب، ما جعل النوم أشبه بالمستحيل. قالا إنهما كانا يتدليان أحيانا من معاصمهما، واصفين ذلك بـ "التعليق" دون أن تلمس أقدامهما الأرض أحيانا، وفي أحيان أخرى بالكاد تلامسها أصابع أقدامهما. قال النجار إن قدميه لم تلمسا الأرض على الإطلاق في بعض الأحيان. قال النجار إن فترة التعليق هذه استمرت قرابة 3 أشهر. قال الغريسي إنها استمرت لشهر في حالته.

 قالا إن المحققين الأمريكيين ضربوهما بالهراوات في جميع أنحاء جسميهما أثناء التعليق وبعده؛ كما لكموهما وركلوهما كثيرا. قال النجار إن الضرب أسفر عن كسور في عظامه، وهو ما أكده تحليل طبي مستقل لصور الأشعة السينية التي خضع لها.

أصدر الرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2009 أمرا تنفيذيا بإنهاء برنامج الوكالة للاستجواب والاعتقال، مؤكدا على التزام الولايات المتحدة بالقانونين الاتحادي والدولي اللذين يحظران التعذيب. ومع ذلك، رغم وجود أدلة وافرة على النشاط الإجرامي، فإن الولايات المتحدة لم تبدأ بعد أي تحقيق جنائي موثوق في التعذيب على يد الوكالة أو مقاضاة المسؤولين عنه. كما لم تعرض الولايات المتحدة أي شكل من أشكال التعويض على الكثير ممن عذبتهم الوكالة أو عرّضتهم لغير ذلك من ضروب سوء المعاملة.

 أثارت هيومن رايتس ووتش مع السي آي إيه ادعاءات النجار والغريسي بتعرضهما للتعذيب وسوء المعاملة. قال المتحدث الرسمي باسم الوكالة راين تراباني في رسالة إلكترونية، بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول، إن "السي آي إيه راجعت سجلاتها ولم تجد أي شيء يدعم هذه الادعاءات الجديدة". 

 قالت بيتر: "الأدلة في السجلات العامة كانت أساسا كافية لفتح تحقيقات جنائية حول التعذيب الذي ارتكبته السي آي إيه، لكن هذه المزاعم الجديدة تسلط الضوء أكثر على الحاجة إلى العدالة. رفضت هذه الإدارة استخدام التعذيب، لكن الإدارات المقبلة ستحمل وصمة عار حتى يُحاكَم المسؤولون عن التعذيب ويُعوَّض الضحايا. طالما أن المسؤولين الأمريكيين واثقون من عدم محاكمتهم، فقد يلجؤون إلى التعذيب مجددا".

 لشهادتي الرجلين المفصلتين ومقارنتهما بملخص مجلس الشيوخ ومعلومات توثيقية أخرى، يرجى النظر أدناه.

 شهادة رضا النجار المفصَّلة

 انتهاكات في "السجن الاسود"

 قال النجار إن لدى وصوله إلى "السجن الاسود" رماه معتقِلوه عاريا على الأرضية الإسمنتية وصبّوا عليه الماء. كان الظلام حالكا لكن عدة محققين دخلوا زنزانته، وأحدهم عربيّ ذو لكنة مصرية، حاملين مصابيح يدوية. لقّم أحدُهم مسدسا ووضعه بمؤخرة رأس النجار وقال له إنهم سيقتلونه إن لم يتكلّم. انهالوا عليه بالضرب والركل ثمّ علّقوه لأوّل مرة على القضيب. تتالت جلسات التعذيب التي أصبحت أطول مع مرور الزمن. عرضوا عليه صوَرا ووثائق واستجوبوه بخصوص علاقاته ومعلوماته عن هجمات معيّنة. قال إن محققا آخر في هذا المركز يدعو نفسه "عادل" كان يمارس انتهاكات ضده بانتظام. قال نجار إن عادل شيعي لبناني. كان طويلا ويوجد على الجانب الأيمن من شفته السفلى أثر جرح.

 تعليق وضرب

توسيع قال رضا النجار ولطفي الغريسي إنهما كانا يُعلّقان بالسلاسل إلى قضيب في سقف الزنزانة لفترات تدوم 24 ساعة. قال كلّ منهما إن هذا الرسم يصوّر المعاملة التي لقياها بشكل دقيق.  

قال النجار إنه عُلِّق عدة مرات على القضيب خلال الأشهر الثلاثة الأولى في السجن الأسود. كان كل مرة يُعلَّق 24 ساعة تقريبا، ويحدث ذلك بشكل متكرر. خلال هذه الجلسات كانت يداه تقيَّدان بسلاسل فوق رأسه وتربطان بقضيب في أعلى الغرفة بحيث لا يستطيع النوم. كانت قدماه تلامسان الأرض في بعض الأحيان، وفي بعض الأحيان أصابعه فقط تلامس الأرض، وفي أحيان أخرى لا تلامس قدماه الأرض أبدا. كان السجانون يُنزِلونه فقط للتحقيق أو ممارسة أنواع أخرى من التعذيب، فغالبا ما يرمونه أرضا بعنف ويضربونه بالعصي على رِجلَيه وظهره ويلكمونه في صدره وكِليَتَيْه. أخذوه بعد إحدى الجلسات إلى غرفة أخرى حيث استعملوا أضواء ساطعة لتصوير جِراحه. قال: "كنت في حالة مزرية، كان جلدي يتدلّى وجسمي تملؤه الكدمات والجروح".

قال النجار إن عظامه تكسرت من الضرب، وشملت إصابته بكسور في وركيه وكاحله وظهره، عطب في ركبتيه، وعطب في فكّه، ووجع في الرأس. قال إنه عند نقله إلى سجن "باغرام" اعتذر عدة أطباء من الجيش الأمريكي منه عمّا حصل معه وقاموا بتصوير جسده بالأشعة السينية وبتصوير مقطعي لرأسه وعموده الفقري. ولكن، كما قال، رفض الجيش الأمريكي إعطاءه نسخة عن سجلّه الطبي لدى إطلاق سراحه. خضع النجار في تونس في 2 أبريل/نيسان 2016 لتصوير بالأشعة السينية وعرض في مايو/أيار صورا لكاحله الأيسر وركبتيه وأسفل ظهره على "هيومن رايتس ووتش".

حللت المستشارة الطبية في منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" د. روهيني هار نُسَخا عن صور الأشعة السينية التي اعتبرتها كافية للقيام ببعض الملاحظات. قالت: "من الواضح أن كاحله الأيسر قد كُسِر ثم التأم بطريقة خاطئة. صُوَر الركبتين كانت أقل وضوحا ولكن "يظهر فيها إصابة سابقة في الركبة اليسرى". الصور الباقية لم تكن جيدة بما يكفي للقيام بتقييم.

حرمان من الضوء وحفاضات

قال النجار إنه ليس متأكدا من المدة التي قضاها في السجن الأسود، ولكن طيلة المدة كان الظلام حالكا، خلا الأضواء الساطعة الموجهة إلى عينيه خلال التحقيقات. لم يُسمَح له باستعمال المرحاض، بل كان يُترَك عاريا أو لابسا الحفاضات التي كانت تُثبَّت بشريط لاصق سميك سبّب له الطفح الجلدي وكانت تُبدَّل مرة كل 4 أيام فقط.

حرمان من الطعام

 قال إن سجانيه كانوا يطعمونه مرة كل 3 أيام وكان الطعام "مقرفا" و"غير صالح للأكل". قال إنه كان يجد فيه الحصى والتراب والشَعر، ومرة وجد فيه عقب سيجارة. قال أيضا إن "الماء كان ذا رائحة وطعم مقرفين، وكان يُسمَح له بالشرب وهو على حافة الموت ومصاب بالجفاف فقط"، حتى في هذه الحالة لم تكن الكمية كافية. في إحدى المرات كان لسانه وفمه "متشقّقَين تماما". قال إنه خسر 50 كيلوغراما في هذه الفترة، إذ كان وزنه 120 كيلوغراما لدى دخوله السجن الأسود و70 كيلوغراما لدى خروجه منه، وأنه غالبا ما كان يفقد وعيه ويستيقظ ليجد الطبيب يتحسس نبضه أو يتفحص فمه وأسنانه. روايته تتفق مع روايات معتقَلين آخرين في سجن حفرة الملح (أو كوبالت) تعرضوا لنفس الحرمان الغذائي خلال الفترة نفسها.

الكرسي الكهربائي

قال النجار إن سجانيه أخذوه إلى غرفة فيها "كرسي كهربائي" مصنوع من المعدن أو الحديد، ومُجهَّز بقوابس بحجم الأصابع وخوذة متصلة بأسلاك كهربائية. يوحي الوصف بأن الكرسي كان شيئا مركبا بشكل مرتجل ومتصلا بأنبوب على الحائط. هدده المحققون الأمريكيون أثناء جلسات الاستجواب بوضعه على الكرسي ولكن لم يقوموا بذلك. كانت الغرفة تحوي أدوات تعذيب أخرى، منها لوح استعملوه في تعذيبه بشتى أنواع التعذيب بالماء، وتابوت هددوه بوضعه فيه.

التعذيب بالماء

توسيع تحدث رضا النجار ولطفي الغريسي عن التعرّض لأشكال مختلفة من التعذيب باستخدام الماء. قال كلّ منهما إن هذا الرسم يصوّر المعاملة التي لقياها بشكل دقيق.    

سمح النائب العام الأمريكي باستعمال الإيهام بالغرق في يوليو/تموز 2002. في أغسطس/آب 2004، تلقت السي آي إيه "نصيحة" من مكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل تقول إن ما يُسَمّى "الرش بالماء" لا يخرق قوانين التعذيب الفيدرالية الأمريكية، غير أن نفس المكتب لم يوافق على استعمال "الرش بالماء" في "تقنيات الاستجواب المعزَّزة" قبل العام 2005. يؤكد تقرير مجلس الشيوخ أن السي آي إيه استعملت العديد من أساليب الانتهاك باستخدام المياه على عدة معتقَلين، بدون موافقة مسبقة من وزارة العدل وبطرق غير مصرَّح بها. أطلع النجار هيومن رايتس ووتش على عدة طرق تعذيب بالمياه استعملها المحققون الأمريكيون عليه:

كانوا عند تعليقه على العامود يضخون الماء بقوة على رأسه مسببين له الألم على فترات طويلة.

كانوا يثبتونه على لوح يديرونه 360 درجة بسرعة لتشويش ذهنه وإصابته بالدُّوار. قدّم معتقلون آخرون روايات مماثلة عن استعمال السي آي إيه لوحا لجعلهم يدورون بشكل كامل. كانوا يصبّون عليه سطول المياه الباردة وهو مثبَّت على اللوح، أحيانا بينما هو مستلقٍ تماما وأحيانا بعد رفع قدميه وإرجاع رأسه إلى الخلف. لم يصبّوا الماء مباشرة على وجهه ولكن المياه كانت تدخل في أنفه وفمه؛ "لم أعد أستطيع التنفس وأحسست بالاختناق"، كما قال. قدّم معتقَلون آخرون روايات مماثلة عن استعمال المياه على اللوح.

ثبّته المحققون على لوح ووضعوه في مغطس مياه شديدة البرودة وكان جسمه ورأسه في مواجه الماء إلى الأسفل حتى لا يستطيع التنفس.

وضعوه في كيس بلاستيكي كبير مليء بالماء البارد، حجمه 70 بـ 70 سنتيمترا حسب تقديراته، يُغلَق بسحاب من الأعلى. كانوا يضعونه داخل الكيس مع الإبقاء على فراغ صغير في أعلاه ويبدؤون بدفعه وسحله حتى يعجز عن التنفس.

كانوا يضعونه في برميل ماء كبير ويدفعون برأسه تحت الماء حتى لا يعود باستطاعته التنفس، ثم يرفعونه ويطرحون عليه الأسئلة. قال: "كانوا يكررون هذه العملية حتى لا أعود قادرا على التحمل وأكاد أنهار تماما".

دور الفريق الطبي

قال إن طبيبا عاينه 3 أو 4 مرات وداوى جراحه وقاس تورّماته وفي بعض الأحيان أعطاه حُقَنا. قال إن التورمات كانت تخف بعد يومين من الحقنة، لكن يعود التعليق والضرب. هذا الطبيب كان يأتي قبل كل تعذيب "سيئ" وبعده ويعطي موافقته للاستمرار. ينظر إلى هذا الطبيب على أنه خائن لأنه كان يداويه من آثار التعذيب، ثم يعطي "الضوء الأخضر" ليُعَذب أكثر.

أماكن أخرى

احتُجِز النجار في 3 أماكن أخرى في أفغانستان غير السجن الأسود قبل أن يُوضَع في عهدة الجيش الأمريكي، ولكنه ليس متأكدا كم من الوقت أمضى في هذه المنشآت.

عندما سلّمت باكستان النجار إلى السي آي أيه في 6 يونيو/حزيران 2002، احتُجِز في مكان في العاصمة الأفغانية، كابُل، يسميه معتقِلوه "إنتليجنس 2". احتُجِز في زنزانة تحت الأرض؛ عرف ذلك من النافذة أعلى الزنزانة التي كان يرى من خلالها مرور الناس والسيارات. قال إنهم كانوا يأخذونه للاستجواب أحيانا في منزل في حي وزير أكبر خان. لم يعامَل بطريقة سيئة في إنتليجنس 2 – لم يكن هناك ضرب، مجرد صفعة وركلة على رِجله من وقت لآخر.

قال النجار: "هذا المكان لا يُذكَر أمام المكان حيث أخذوني لاحقا [السجن الأسود]. مقارنة بذاك يبدو هذا المكان كفندق 5 نجوم". ليس متأكدا كم بقي في إنتليجنس 2 ولكن تقرير مجلس الشيوخ يقول إنه كان أول سجين يحتجَز في سجن حفرة الملح في سبتمبر/أيلول 2002.

قال إنه لن ينسى آخر يوم له في إنتليجنس 2 لأنه كان "أسوأ تجربة في حياته". قال إن المحقق العربي نفسه الذي كان يتكلم بلهجة مصرية والذي التقاه لاحقا في السجن الأسود، جاء إلى زنزانته ليحقق معه ويسأله عن بعض الوثائق والصور، وعندما عجز النجار عن تقديم الأجوبة هدده المحقق وأنذره، قائلا: "(إن لم) تتكلم، انتظر لترى ما سيحدث لك في المكان الذي سننقلك إليه. هناك سنعلقك من فتحة مؤخرتك".

بعد هذا التهديد أجبره المحققون على الانحناء وكبّلوا يديه بأسفل رجليه ووضعوا الأغلال على وسطه ومعصميه وباقي جسده، ووضعوا كيسا على رأسه وغطوا أذنيه ليمنعوه من السمع. قال أيضا إنهم وضعوا شيئا ما في شرجه كل مرة كانوا ينقلونه من مكان لآخر، وأنه مازال يعاني من آلام بسبب ذلك. روى العديد من المعتقَلين السابقين عن إقحام أشياء في مؤخراتهم لدى نقلهم عندما كانوا في عهدة السي آي أيه. قال: "ثمّ حملوني على الدرج كأنّي صندوق"، ونقلوه إلى السجن الاسود.

وادي بنجشير

 بعد احتجازه مدة يعتقد أنها تمتد بضعة أشهر في السجن الأسود، نُقل إلى مكان آخر يعتقد أنه في وادي بنجشير، 150 كيلومترا شمال كابُل. كانت الظروف في هذا السجن أفضل؛ كانت الأبواب مصنوعة من الخشب والضوء يتسرب من خلالها. كانت زنزانته صغيرة، تقريبا بطول 2 متر وعرض 80 سنتيمتر. قال إن الحراسة لم تبدُ مشددة؛ "تشعر أنه بإمكانك الهرب ولكن أين تذهب؟". كانت أرض الزنزانة ترابية تكثر فيها الحشرات، وأعطوه بطانية رقيقة مليئة بالثقوب. قال له أحد الأطباء إنه بسبب حالته لن يسمح المسؤولون بتعذيبه بعد الآن.

كابُل 2

بعد بنجشير، نُقل إلى مكان آخر في كابُل في مبنى يعتقد أنه كان جزءا من "المحكمة العليا". قال إنه نُقل كثيرا بين غرف وطوابق المبنى وأنه كان يوضَع تحت الأرض عند تواجد أناس آخرين في المبنى. بقي هناك حتى نُقل إلى عهدة الجيش الأمريكي في قاعدة باغرام.

باغرام

 النجار ليس متأكدا متى نُقل إلى باغرام ولكن كان ذلك بين مايو/أيار ويونيو/حزيران 2004. مع أن التعذيب قد استمر، لكنه لم يكن بسوء ما تلقاه عندما كان في عهدة السي آي أيه. اعتذر إليه الأطباء في باغرام وأجروا له صوَر بالأشعة سينية وصور مقطعية، كما عرضوا عليه القيام بجراحة لركبته بالمنظار، ولكنه رفض خوفا من أن تتسبب بأضرار أخرى. نُقل إلى تونس بعد مضي11 سنة في 15 يونيو/حزيران 2015. بسبب ضيق الوقت لم تدخل "هيومن رايتس ووتش" مع النجار في تفاصيل سوء المعاملة لدى احتجازه في باغرام.

رواية لطفي العربي الغريسي المفصلة

انتهاكات في "السجن الأسود"

قال الغريسي إنه ليس متأكدا من التاريخ بدقة، لكن بعد عدة أسابيع من اعتقاله الأولي في باكستان أواخر سبتمبر/أيلول 2002، نُقل إلى السجن الأسود. قال إن سجانيه الأمريكيين جردوه من ملابسه، طرحوه أرضا، وألقوا عليه الماء البارد. أخذوه في اليوم التالي إلى غرفة أخرى صغيرة جدا مساحتها متر في متر حيث مكث لمدة شهر تقريبا.

 طوال إقامته في السجن الأسود، صدحت الموسيقى 24 ساعة يوميا، وكان الظلام دامسا. لم يأخذه معتقلوه خارجا، ولم ير ضوء الشمس. كانت المرة الوحيدة التي رأى النور فيها عندما أحضروا جهاز العرض ليُروه الصور أو عندما سلطوا الضوء الساطع من جهاز العرض على عينيه لدى توجيه الأسئلة إليه. عرف بوجود سجناء آخرين لأنه سمع صراخهم لكنه لم يتحدث إليهم.

 التعليق والضرب

 قال الغريسي إن سجانيه قيدوا ذراعيه بالسلاسل إلى قضيب معدني فوق رأسه يمتد على طول السقف. وفي الوقت نفسه، قيدوا قدميه إلى الأرض بالأغلال الثقيلة التي قال إنها مؤلمة. بقي في هذه الغرفة على هذه الحال، وذراعاه متدليان من قضيب معدني، لفترة قاربت الشهر الأول هناك. لامست قدماه الأرض أحيانا، وأحيانا أخرى لم يتمكن سوى من الوقف على أطراف أصابع قدميه. خلال تعليقه، كان الحراس يضربونه على ظهره وساقيه وقدميه بهراوة يعتقد أنها كانت بلاستيكية. كانوا أيضا يصبون سطول الماء البارد عليه. كان هذا يحدث حوالي 3 مرات أسبوعيا. قال إن الحراس كانوا يدخلون غرفته ويقولون إن 24 ساعة أخرى قد انقضت، فينزلونه إلى غرفة مجاورة لاستجوابه. عندما كانوا يفعلون ذلك، كانوا يربطون يديه بالأسلاك الكهربائية. تسبب هذا والأصفاد بتمزقات سيئة. رأت باحثة في هيومن رايتس ووتش ندوبا قال الغريسي إنه ما يزال يحملها بسبب الأسلاك والسلاسل على معصميه.

 استمر الاستجواب، الذي قال إنه شمل في كثير من الأحيان اتهامه بأنه عضو في القاعدة والمطالبة بمعلومات عن مؤامرات إرهابية، لنحو 30 دقيقة عادة، وبعد ذلك يعيده الحراس إلى ما أسماه "غرفة التعليق" ويربطون يديه المكبلتين بالقضيب المعدني مرة أخرى. قال إنهم كانوا يضربونه حتى التقيؤ أو فقدان الوعي. كان الحراس يطعمونه مرة كل يومين أو 3، ما يتألف عادة من الأرز الأفغاني وزجاجة مياه كانوا يسحبونها أحيانا قبل أن تفرغ. لم يسمحوا له بالذهاب إلى المرحاض، بل ألبسوه حفاضا كانوا يغيرونه كل 3 أو 4 أيام. مُنع من النوم. كان يفقد الوعي ويغمى عليه أحيانا إلى أن يوقظه الحراس.

 قال الغريسي إنهم أخذوه بعد شهر إلى غرفة أخرى حيث كبلوه بالسلاسل إلى جدار من ذراعه وهو ما يزال يرتدي الحفاضات. كانوا يخرجونه من الغرفة للاستجواب والتعذيب.

 الكرسي الكهربائي

قال الغريسي إنه بعد حوالي 3 أيام من إنزاله من التعليق الذي استمر شهرا، أخذوه إلى غرفة فيها "كرسي كهربائي" ضمن أنواع أخرى من أدوات التعذيب. قال إن الكرسي كان مصنوعا من المعدن، أو ربما الحديد. كانت به مشبكات متصلة بأسلاك مُعدة لتوضع على الأصابع، وخوذة متصلة بالأسلاك. الوصف الذي قدمه يوحي بأن الكرسي كان شيئا مركبا بشكل مرتجل ومتصلا بأنبوب خارج من الحائط. وضعه المحققون على الكرسي وهددوه باستخدامه إن لم يزودهم بالمعلومات، إلا أنهم لم يفعلوا هذا. قال إن هذا أرعبه بحيث كان يرتجف. حَوَت الغرفة لوحا هددوه بوضعه عليه، لكن لم يفعلوا كذلك. علم أنهم كانوا سيستخدمون الماء أثناء تواجده على اللوح.

التعذيب بالمياه والضرب

 خلال الفترة التي قضاها هناك، أخذه سجانوه إلى غرفة بها حوض ماء. قال إن الحراس الواقفين خلفه كانوا يزجون برأسه في الحوض، ويجبرونه على البقاء تحت الماء دقيقة أو دقيقتين، حيث كان من المستحيل أن يتنفس. فعلوا ذلك 3 مرات يوميا لمدة أسبوع. خلال هذا الوقت، حيث كان الفصل شتاءً، أخذوه ليستحم 3 مرات وسكبوا عليه الماء البارد الذي جعله يرتجف.

قال الغريسي إن سجانيه ضربوه في مناسبات عدة خلال هذه الفترة التي امتدت 4 أشهر. في إحدى المرات، لكمه الحارس بقوة فكسر سنّين في فمه. أطلع باحثة هيومن رايتس ووتش على المساحات الفارغة في فمه. في مناسبة مختلفة، أمسكه حارسان من الخلف بينما كان ثالث يخنقه.

دور الطاقم الطبي، الحبس الانفرادي

 قال الغريسي إنه خلال الفترة التي قضاها في السجن الأسود، جاء طبيب لفحصه 3 مرات. لم يتحدثا خلال الفحوص. قدم له الطبيب ذات مرة الاسبرين وحبة فيتامين. كما فحص الطبيب جراح الغريسي وعالج التحسس الناجم عن قلة تغيير الحفاضات وكذلك المنطقة حيث كانت تلصق الحفاضات بجسده.

قال إنه شعر بعد 4 أشهر بأنه شارف على الموت. لم يكن لديه أي طاقة ولم يقو على أن يفكر في شيء أو يتذكر أي شيء. قال إنه شعر بآلام في جميع أنحاء جسده خصوصا في ظهره. خسر بعضا من قدرته على الإبصار. قال إن طبيبا أخبر المحققين أنه "إن بقي أسبوعا آخر، سيموت". هنا توقف التعذيب. وبعد ذلك وُضع في غرفة أخرى، في عزلة تامة، لشهرين آخرين، الأمر الذي جعله يشعر بسوء أكبر. قال: "هنا فقدت السيطرة على كل شيء. لم أتحدث مع أحد".

 مواقع أخرى

 كاُبل، وادي بنجشير

  قال الغريسي إنه بعد حوالي 6 أشهر في السجن الأسود، نُقل إلى مكان مجهول في كابُل ثم نقل إلى سجن في وادي بنجشير. احتجز في غرفة بمساحة متر ونصف بمتر واحد. قال إن الأوضاع كانت أفضل مما كانت عليه في السجن الأسود لكنها بقيت سيئة. كانت أرضية زنزانته متسخة، وقدم له معتقلوه غطاء رقيقا للنوم. قُدّم له الطعام بشكل أكثر انتظاما. أمضى حوالي 7-8 أشهر هناك، لكنه ليس متأكدا من الفترة بالتحديد أو من كثير مما حدث له. قال إنه بحلول ذلك الوقت كان مريضا ومتعبا جدا، و"فقدت عقلي". كان الأطباء يأتون مرة شهريا فيفحصون رسغيه ونبضه ودمه. قال الغريسي إنه يعتقد أن طبيبا رآه 3 مرات تقريبا في بنجشير، هو نفسه الذي قابله في السجن الأسود. وقال إنه يتذكر أن بعض السجناء الباكستانيين كانوا في نفس الموقع، لكنه لا يتذكر التحدث معهم.

 باغرام

  قال الغريسي إنه نُقل بعد وادي بنجشير إلى قاعدة باغرام مع معتقل أفغاني. كانت ظروف السجن هناك أفضل مما كانت عليه في السجن الأسود، لكنها ما تزال غير جيدة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 تواصل للمرة الأولى مع "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" التي أوصلت له أول خبر عن أسرته. علم أن زوجته التي كانت حاملا عندما قبض عليه، وضعت ابنة لكنها توفيت بعد وقت قصير من الولادة. بعد سنوات في السجون الأمريكية، طلقته زوجته بينما كان لا يزال معتقلا.

 في باغرام، اعتُقل بداية في عزلة تامة لمدة 40 يوما، بعد ذلك وضع في زنزانة كبيرة مع 30 معتقلا آخرين. ضمت المنشأة 16 زنزانة، كل منها حوَت حوالي 30 شخصا. قال: "ومع ذلك، لم يكن يسمح لك بالتحدث إلى أي معتقل آخر. إن فعلت، ستُعاقَب". إحدى طرق معاقبة الحراس كانت أمره بمد ذراعيه على الجانبين لفترات طويلة. إن لم يفعل ذلك، وضعه الحراس في الحبس الانفرادي. أضاف أنهم كثيرا ما جلبوا الكلاب التي روّعته. قال إنه كان يتم التحقيق معه أسبوعيا من قبل أشخاص من "مكتب التحقيقات الفيدرالي" الأمريكي ("إف بي آي").

 كانت الرعاية الصحية أفضل في قاعدة باغرام بسبب وجود عيادة طبية. لكن الحراس هنا حاولوا أيضا حرمانه من النوم. كان شخص ما يوقظه 3 مرات على الأقل في النهار ومرتين في الليل. كان الطعام ما يزال غير كاف إطلاقا، وقال: "لم يكونوا يطعمونك بالقدر الذي يقهر جوعك".

 عام 2010 نُقل إلى سجن جديد وتحسنت الظروف. نظرا لضيق الوقت، لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من محاورة الغريسي حول تفاصيل كثيرة عن سوء معاملته أثناء احتجازه في باغرام. نقلته الولايات المتحدة إلى تونس يوم 15 يونيو/حزيران 2015.

 روايات جديدة تضيف تفاصيل عن التعذيب غابت عن ملخص مجلس الشيوخ

 جاء في ملخص مجلس الشيوخ أن السي آي إيه اعتقلت النجار لمدة تتراوح بين 690 و700 يوما والغريسي لمدة تتراوح بين 380 و390 يوما قبل نقلهما إلى السجن العسكري الأميركي في قاعدة باغرام الجوية، حيث أمضى كلاهما أكثر من عقد من الزمان.

 النجار والغريسي هما أول معتقلين يقدمون تقريرا عما كانت عليه الظروف في سجن كوبالت قبل موت غول رحمن. في ملخص مجتزأ عن التحقيق في وفاة رحمن، بتاريخ 28 يناير/كانون الثاني 2003 لكن لم يُنشر إلا في يونيو/حزيران، كُتب أن رحمن، مثل غيره من المعتقلين، تعرض للعديد من الانتهاكات، بما فيها ذلك الحرمان من النوم، "الرش بالماء"، والتعرض لدرجات الحرارة المنخفضة ، و"المعاملة الخشنة"، لكنه يخلص إلى أنه ليس هناك "أي دليل" يشير إلى أن رحمن تعرض للضرب أو التعذيب. وجد الملخص أن السبب الأساسي للوفاة على الأرجح هو انخفاض حرارة الجسم الناجم جزئيا عن رفض رحمن "وجبته الأخيرة"، وبالتالي حرمان جسده "من مصدر طاقة يبقيه دافئا".

 يرى ملخص مجلس الشيوخ أن سجلات السي آي إيه في كوبالت لم تُحفظ جيدا وأن "طبيعة استجوابات الس آي إيه" هناك "ما زالت مجهولة إلى حد كبير". فعلى سبيل المثال، لا توجد سجلات لأي معتقل أُوهِم بالغرق في الكوبالت، إلا ان المحققين في مجلس الشيوخ وجدوا صورة في سجلات الوكالة للوح خشبي محاط بعدة دلاء، مع زجاجة سائل وردي غير معروف (مملوءة حتى ثلثيها) ودلو سقاية على عوارض اللوح الخشبية. وجد الباحثون في مجلس الشيوخ أيضا أن الوكالة عرّضت المعتقلين في كوبالت إلى العديد من الأساليب التي لم تسجلها في مراسلاتها، بما فيها "فترات متعددة من الحرمان من النوم، الإجبار على الوقوف، والموسيقى الصاخبة، والحرمان الحسي، والحبس الانفرادي المطول، وانخفاض كمية الغذاء والتعري و"المعاملة الخشنة"".

 ملخص مجلس الشيوخ، المُستمد من سجلات السي آي إيه، لا يحدد بالتفصيل تعامل الوكالة مع النجار، ولكن يوثق أساليب الاستجواب التي خططت لها بمجرد نقله، في سبتمبر/أيلول 2002، إلى سجن كوبالت. شمل ذلك التهديد "بسلامة عائلته"، واستخدام "تقنيات التضليل بالصوت"، حرمانه من النوم عبر استجوابه على مدار الساعة، حرمانه من أي "إحساس بالوقت"، إبقاءه في "عزلة في ظلام دامس، "تخفيض نوعية طعامه"، استخدام درجات الحرارة الباردة، وتشغيل الموسيقى "24 ساعة يوميا، وإبقاءه مكبلا ومغطى الرأس".

 في 21 سبتمبر/أيلول 2002، وصفته برقية من الوكالة بأنه "رجل من الواضح أنه محطم" و"على شفير الانهيار التام". رغم هذا التقييم، واصلت الوكالة تعذيب النجار. جاء في ملخص مجلس الشيوخ أن مستشارا قانونيا عسكريا أمريكيا زار كوبالت في نوفمبر/تشرين الثاني، لاحظ أن النجار تُرك معلقا، مكبلا إلى قضيب فوق رأسه، غير قادر على خفض ذراعيه، لمدة 22 ساعة يوميا ليومين متتاليين. أشار المستشار إلى أن النجار كان يرتدي حفاضا ولم يسمح له بالذهاب إلى المرحاض.

 رواية النجار حول المعاملة التي لقيها في سجون السي آي إيه تشير إلى أنها كانت أسوأ مما وصفه ملخص مجلس الشيوخ.

 يذكر الملخص القليل جدا من المعلومات حول الغريسي، الذي كُتب اسمه "Lufti al-Arabi El Gharisi". يظهر اسمه مرتين، مرة ضمن لائحة من 119 معتقلا اعترفت الوكالة بهم كجزء من "برنامج الاستجواب المعزَّز"، ومرة أخرى عندما يذكر أن الغريسي كان واحدا من 17 سجينا أخضعتهم الوكالة لبعض التقنيات دون الحصول على موافقة من مقرها الرئيسي. ذكر الملخص في الحاشية أن الغريسي "[خضع] لجلستين على الأقل من الحرمان من النوم لمدة 48 ساعة، في أكتوبر/تشرين الأول 2002".

 عدم التعويض

 يقدر ملخص مجلس الشيوخ بتحفّظ أن 119 شخصا تقريبا كانوا معتقلين رسميا لدى السي آي إيه، بينهم النجار والغريسي، رغم أن هذا الرقم لا يشمل عددا أكبر ممن يُعتقد أن الوكالة نقلتهم إلى بلدان أخرى لاستجوابهم وتعذيبهم. بقي 14 من بين الـ 119 معتقلين لدى الأمريكيين في معتقل غوانتانامو، حيث تم الإفراج عن الغالبية العظمى. لم يُنشر أن الولايات المتحدة عوّضت على أي منهم.

 رغم أن بعض المعتقلين السابقين لدى السي آي إيه رفعوا دعاوى قضائية في محكمة أمريكية التماسا للتعويض عن سوء المعاملة، رفضت المحاكم كافة القضايا تقريبا قبل الاطلاع على جدارة مزاعمها. غالبا ما أيدت المحاكم امتياز أسرار الدولة، التي تدعو الحكومة الأمريكية إلى ضرورة تطبيقه، مدعية أن المرافعة بهذه القضايا سيكشف أسرار الدولة التي من شأنها الإضرار بالأمن القومي الأمريكي. إجمالا، أعطت المحاكم الأمريكية الأولوية لمزاعم الحكومة بالضرر المحتمل. في وقت سابق من 2016، وزارة العدل، وللمرة الأولى، لم تؤكد امتياز أسرار الدولة لمنع الدعوى؛ كان ذلك في الدعوى الأولى منذ نشر ملخص مجلس الشيوخ، التي رفعها "الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية" بالنيابة عن 3 من المعتقلين السابقين الذين اعتقلتهم السي آي إيه.

 بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" و"اتفاقية مناهضة التعذيب"، وكلاهما قد صادقت عليه الولايات المتحدة، فإن الحكومات ملزمة بضمان الحق في إنصاف ضحايا الانتهاكات الحقوقية الجسيمة، بما فيها التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة. إن حق الضحية في الإنصاف يتطلب من الحكومة أن تأخذ الخطوات التحقيقية والقضائية والتعويضية اللازمة، لتصحيح الانتهاك وتوفير حقوق الضحية بالمعرفة والعدالة والتعويض عن الضرر. الحكومة ملزمة دوما بتوفير وسيلة فعالة لجبر الضرر؛ لا يوجد حد زمني للعمل القانوني. رغم أن هذه الانتهاكات لم تحدث في الولايات المتحدة، إلا أنها وقعت بينما كان الأشخاص تحت السيطرة الفعلية لقوات الأمن الأمريكية.

 التجربة التونسية بعد إطلاق السراح

 قال كلا المعتقلين إن أيا من الحكومتين الأمريكية أو التونسية لم يقدم لهما العون الطبي أو النفسي أو المادي لمساعدتهما على استئناف حياتهما أو الاندماج مرة أخرى في المجتمع. يعيش كلاهما مع أسرته في مكان صغير معتمدين كليا على مساعدتهما. قال النجار لـ هيومن رايتس ووتش: "أختي لديها 5 أطفال. أنا السادس". كان ما يزال يرتدي بعض الملابس التي أعطته إياها الحكومة الأمريكية قبل إطلاق سراحه، والتي كانت مثقوبة. يعيش الغريسي في منزل بلا أبواب أو سقف مكتمل مع والدته المسنة وأخيه وأخواته.

 أطلق سراح النجار من السجن بعد أن احتجزته السلطات التونسية فترة وجيزة. قال لـ هيومن رايتس ووتش إن لديه عددا من المشاكل الجسدية التي أعاقت قدرته على العثور على عمل، لا سيما الألم المزمن بسبب كسر في الكاحل، والوركين، والعمود الفقري. ينزف الدم مع البراز، كبده متورم، ويعاني من ألم الكلى، والفتق، والقرحة، و"ثقب في أذنه" قال إنه نتيجة لتعرضه للتعذيب. قال أيضا إنه يشعر بألم شديد في رأسه كلما حاول تذكر شيء حول الانتهاكات التي تعرض لها إبان اعتقال السي آي إيه له.

 دون موارد، لم يعد قادرا على تلقي العلاج الطبي في المستشفيات التونسية. يذهب منذ يونيو/حزيران إلى مركز لضحايا التعذيب في تونس، قال إنه يساعد على تسهيل بعض العلاج والفحوصات الطبية لإصاباته، ولكنه ما يزال يحتاج إلى أموال للتنقل وإجراء الفحوص وشراء الأدوية. قال إنه يرغب في العمل في شراء السلع وبيعها، لكن الحكومة التونسية لم تقدم له الأوراق التي تسمح له بالسفر. قال إنه شديد الاكتئاب لأنه لا يستطيع تحمل أن يكون عبئا على عائلته، لكن يبدو أن لا حيلة أمامه لإيجاد وسيلة للخروج من وضعه.

 أطلق سراح الغريسي تقريبا على الفور بعد نقله إلى عهدة السلطات التونسية. يعيش حاليا مع أخيه وأطفاله الخمسة في قابس، التي تبعد حوالي 5 ساعات بالسيارة عن العاصمة تونس. تقطن أيضا في نفس المنزل شقيقاته الثلاث وأطفالهن، وأمه المسنة، التي يشاركها الغرفة والسرير. منزل شقيقه مجرد هيكل وجدران وأبواب غير مكتملة. السقف ليس كاملا ويسرب المياه. المدخل الأمامي ليس له باب، بل مجرد لوح يغطي الفتحة.

 قال إنه فقير جدا وليس لديه وسيلة لإعالة نفسه. يعاني من ألم مزمن في ظهره وركبتيه يمنعه من النوم. كما أنه لا يُبصر جيدا ويعاني من رؤية مشوشة. لم يزر طبيبا لعدم قدرته على تحمل النفقات. قال إنه لم يعثر على عمل بسبب أمراضه الجسدية وإنه يعتمد على أقاربه للحصول على المساعدة، ما يحبطه كثيرا. أعرب عن أمله في تغيير حياته بتحسن صحته، وتكوين أسرة، وامتلاك منزله الخاص مع سقف مكتمل، والعودة لممارسة التجارة وتكوين صداقات والاختلاط بالمجتمع. لكنه يشعر بالعجز وعدم القدرة على القيام بأي من هذا الآن.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع