تقرير جديد يوثق صدمات ومعاناة المهاجرين الأفارقة
طفل من كل أربعة أطفال في مناطق النزاع لا يذهب للمدرسة

بين الأمن والإنسانية :مأساة اللاجئين أحد أعراض أزمة سياسية أوسع وأعمق

بين الأمن والإنسانية :مأساة اللاجئين أحد أعراض أزمة سياسية أوسع وأعمق
تقارير ـ بين الأمن والإنسانية تمثّل مأساة اللاجئين أحد أعراض أزمة سياسية أوسع وأعمق..وبالتالي فإن إيجاد الحلول المناسبة للاجئين والنازحين ضرورة سياسية في المقام الأول، وهو أيضاً تحدٍّ تنموي لاغنى عنه لتحقيق الاستقرار السياسي والمصالحة المجتمعية وبناء السلام.

 أدّت الحروب في سورية والعراق إلى تشريد نحو 12 مليون سوري و4 ملايين عراقي حتى حزيران/يونيو 2015، الأمر الذي يمثّل نقطة تحوّل تاريخية بالنسبة إلى المنطقة. وتسهم الطبيعة الطائفية المتزايدة لهذه الصراعات عن تفكيك فكرة الدولة الوطنية التي تقوم على التنوّع المجتمعي كما تؤثّر في السياسات الخاصة باللاجئين في لبنان والأردن، الدولتان العربيتان اللتان تستضيفان أكبر عدد منهم. وقد أسفرت عمليات النزوح القسري عن ظهور طبقة دنيا جديدة من المواطنين، فيما تشهد المجتمعات العربية توسّعاً جليّاً في العسكرة بناءً على الهويات الأُحادية. وفي غياب سياسات فعّالة لتدارك آثار هذه الأزمة، ستكون لهذه التطوّرات انعكاسات عميقة على الاستقرار الإقليمي والدولي. 

 

 

 

نقطة تحوُّل تاريخية

 

تسبّبت الحروب في العراق وسورية في 90 في المئة من تدفّقات اللاجئين العرب حتى العام 2015. وتُجسّد عمليات النزوح القسري هذه الآثار الإنسانية الكارثية لأزمة سياسية عميقة.

 

تعكس تداعيات الأزمة السورية ارتدادت الحروب السابقة في العراق، لكن على نطاق أوسع.

 

تستهدف الحكومات، وكذلك الكيانات المارقة، المجتمعات المحلية بناءً على هوياتهم العرقية والطائفية. وتلعب سياسات الهوية هذه دوراً هاماً في تحديد أنماط النزوح القسري واحتمالات العودة.

 

تسهم سياسة الهوية في رسم معالم السياسات الخاصة باللاجئين في لبنان والأردن. كما أن القلق والخشية من تغيّرات محتملة في النظم الاجتماعية والديموغرافية الحالية، يؤجّجان المخاوف الوطنية.

 

الاستجابة الدولية الحالية لهذه الصراعات غير كافية لتدارك مفاعيل الأزمة، في حين يكفل مسار التفتيت الجغرافي في سورية والعراق وغياب الحلول السياسية أو العسكرية المباشرة، أزمة لاجئين مديدة.

 

 

 

خلاصات أساسية بشأن السياسات العامة في المستقبل

 

معالجة أزمة اللاجئين ضرورة سياسية وتنموية. إذ يمثّل إيجاد الحلول المناسبة للتداعيات الكارثية للصراعات تحدّياً سياسياً في المقام الأول، وينبغي أن تتجنّب الاستجابات السياسية التقسيم الجغرافي للأطر الوطنية على أساس الهوية. غير أن الاعتماد على نهج تنموي في مقاربة تداعيات الأزمة، أمرٌ لازمٌ للاستقرار السياسي والمصالحة المجتمعية وبناء السلام.

 

يتعيّن على الأطراف الفاعلة أن تستعدّ لأزمة تهجير ونزوح سكانية يطول أمدها. لذلك، يحتاج لبنان والأردن إلى إعادة النظر في سياساتهما الخاصة باللاجئين. ويتعيّن على الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة أن تضطلع بمسؤولياتها بشكلٍ أكبر تجاه البلدان المضيفة واللاجئين.

 

تتطلّب مشكلة النازحين داخلياً ردّ فعلٍ دوليّاً ملحّاً. ثمّة حاجة إلى تقديم المساعدة، إما من خلال توفير الحماية لمن يواجهون مخاطر محدقة تهدّد حياتهم أو تقديم الدعم الإنساني وغيره من أشكال الدعم.

 

هناك حاجة إلى شراكة دولية في التعاطي مع مفاعيل الأزمة. فإن حجم الأزمة واتّساع رقعتها، يعنيان أن مسؤولية معالجة التداعيات قد تجاوزت إمكانيات الأمم المتحدة، وعليه يجب أن تشمل مروحة واسعة من الشراكات مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.

 

التركيز على التعليم أمر ضروري. يجب تدارك النقص الفاضح في التمويل اللازم لتعليم الملايين من الأطفال في المنطقة. ذلك أن إبقاءهم في المدارس يوفّر لهم الأسس الضرورية لمستقبل أفضل ويجعلهم أقلّ عرضة إلى التجنيد من جانب التنظيمات المتطرّفة.

 

 

 

مرحلة انتقالية قاسية في المشرق العربي

 

تستهدف الأطراف المتحاربة في الصراعات التي يشهدها العراق وسورية، وبوتيرة متزايدة، المدنيين من أفراد وجماعات، على أساس الهويات الطائفية والعرقية. وتتجلّى نتائج هذه الممارسات بوضوح في عمليات تشريد عنيفة للسكان المحليين، تجري وفق نطاقٍ ووتيرة غير مسبوقَين في التاريخ الحديث للمنطقة العربية.1 وفي الوقت نفسه، تتداعى الحدود الدولية وتنهار سيطرة الدولة على أراضيها في مواجهة الكيانات مادون الوطنية. وتشير هذه التطورات إلى تفكّك فكرة الدولة الوطنية القائمة على التنوّع المجتمعي، واستبدالها بمفهوم الجيوب الطائفية أو العرقية التي تقدّس التجانس.

 

 

 

تجري عمليات تشريد عنيفة للسكان المحليين وفق نطاقٍ ووتيرة غير مسبوقَين في التاريخ الحديث للمنطقة العربية.

 

أضحى العراق وسورية بؤرة للموت والدمار تستحوذ على نسبة 90 في المئة من عمليات التهجير القسري في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.2 فقد فرّ مايقرب من 12 مليون سوري و4 ملايين عراقي قسراً جرّاء الفوضى في بلادهم حتى حزيران/يونيو 2015. وقد كان نزوح العراقيين أطول أمداً، وابتدأ مع حرب الخليج الأولى في العام 1990، وتزايدت وتيرته حيناً وخفّت حيناً آخر في ظل الحروب الخارجية والصراعات الداخلية المتعاقبة، ثمّ تكثّف بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضا باسم داعش، الدولة الإسلامية في العراق والشام). واليوم، يعتبر لبنان والأردن الدولتان العربيتان اللتان تستضيفان أكبر عدد من هؤلاء اللاجئين، حيث إن نحو 1.1 مليون سوري و8 آلاف عراقي مسجلون لدى الأمم المتحدة في لبنان، وتم تسجيل 629 ألف سوري و30.800 عراقي في الأردن حتى تموز/يوليو 2015.‏3

 

يشير حجم التهجير القسري، إلى جانب الاضطرابات السياسية الواسعة، إلى نقطة تحوّل تاريخية في المنطقة لم يسبق لها مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد انهارت الحدود الدولية بين العراق وسورية في ظل الحملة العنيفة التي يشنّها تنظيم الدولة الإسلامية، وتسعى أطراف الصراع المختلفة إلى إعادة تشكيل جغرافية الدول وضمان السيطرة على الأراضي باستهداف الأفراد والمجتمعات على أساس الهوية في مايرقى إلى أعمال تطهير عرقي.

 

يمثّل هذا التهجير القسري للسكان إلغاءً ديموغرافياً لاتفاق سايكس-بيكو، المعاهدة الفرنسية-البريطانية التي رسمت حدود الدول في المشرق العربي. ولاتعدّ عمليات تهجير السكان الجارية على أساس الهوية إعادة تشكيل للمجتمعات السورية والعراقية وحسب، بل تؤثّر أيضاً على البلدان المجاورة، أي لبنان والأردن. علاوةً على ذلك، تؤدّي هذه الإجراءات إلى تفكّك التنوّع العرقي والطائفي الذي اتّسمت به هذه المجتمعات لآلاف السنين.

 

 كما أنها تدفع إلى عسكرة المجتمعات، حيث تسعى بعض الجماعات العرقية والطائفية إلى التسلّح بهدف حماية نفسها, ولاتقتصر المخاوف المتعلّقة بالهوية على الأطراف المتحاربة.

 

بحيث تُهيمن المخاوف الوطنية المتعلقة بالهوية أكثر فأكثر على السياسة والنقاشات العامة بشأن اللاجئين في لبنان والأردن، وإن كان ذلك يتم بطرقٍ مختلفة. إذ يُبدي الشعب عموماً وصانعو القرار قلقاً متزايداً من أن الارتفاع الكبير في عدد اللاجئين الوافدين إلى بلادهم قد يغيّر التركيبة السكانية الحالية ويقوّض الأنظمة الاجتماعية القائمة. في لبنان، ثمّة خوف من أن السوريين، السنّة في غالبيتهم، سوف يخلّون بالتوازن الطائفي الدقيق القائم في البلاد. وفي الأردن، يتمحور قلق الهوية حول الأصول الوطنية لقاطنيه.

 

مع تصاعد وتيرة الصراع، عمدت الدول المجاورة لسورية إلى التشدّد في سياسات اللجوء، وتحوّلت سياسة الباب المفتوح الإنسانية التي تم تبنّيها عند اندلاع الأزمة في سورية، إلى أجندة أمنية أضيق أفقاً. وعوضاً عن صفة الضيوف، أضحى اللاجئون الهاربون من ويلات الحرب، في السردية العامة والخطاب الرسمي في كلٍّ من الأردن ولبنان، "عبئاً" على المجتمعات المضيفة لهم وتهديداً أمنياً محتملاً.

 

وماساهم في تأجيج هذه المخاوف هو ردود فعل الدولية والإقليمية تجاه الأزمة، وعدم قدرتها على وقف الصراعات أو معالجة تداعياتها. وقد سمح الجمود السياسي على المستوى الدولي، وخاصة في مجلس الأمن الدولي، بإطالة أمد الصراعات الجارية وتصعيدها. ففي سورية والعراق، تدعم مختلف الأطراف الفاعلة الإقليمية والدولية مجموعة واسعة من الجماعات المحلية على الأرض، في حين لم تؤتِ الجهود الدبلوماسية، التي كانت عملية جنيف أفضل تجسيد لها، ثمارها.4 وقد أدّى ذلك إلى ميل الميزان لصالح الخيارات العسكرية والأمنية في التعامل مع الصراعات الجارية، بما في ذلك التحالف الواسع الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، إضافةً إلى التحرّك العسكري الروسي الأخير الداعم للنظام السوري.

 

في الوقت نفسه، أرغمت الفجوة الكبيرة في التمويل الضروري لتلبية حاجات اللاجئين، عدداً من وكالات الأمم المتحدة على الحدّ من الخدمات الحيوية التي تقدمها، بما في ذلك الغذاء والتعليم. وتحتاج وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية إلى مبلغ 4.53 مليار دولار لتنفيذ خطة الاستجابة الإقليمية للأزمة في سورية للعام 2015-2016. ومع ذلك لم يتم تأمين سوى 1.83 مليار دولار (41 في المئة) حتى نهاية أيلول/سبتمبر لعام 2015. وفي العراق، وبحلول شباط/فبراير 2015، تم تأمين 37 في المئة فقط من مبلغ 2.23 مليار دولار المطلوب للعام 2014-2015.‏5 في حزيران/يونيو، أصدرت الأمم المتحدة نداءً إنسانياً جديداً لجمع مبلغ 497 مليون دولار لتلبية الاحتياجات العاجلة لـ 5.6 مليون من العراقيين المحتاجين.6

 

نتيجةً لذلك، تم تهميش عدد هائل من الأفراد في المجتمع، والذين أضحوا غير قادرين على التراجع أو التقدّم في حياتهم. والواقع أنهم في حالة استثنائية، عرّفها الفيلسوف جورجيو أغامبين على أنها حالة تعيش في ظلها فئات كاملة من البشر يتم فيها تعليق مختلف القوانين إلى أجل غير مسمّى.7 في هذه الحالة الاستثنائية، تظهر طبقة دنيا جديدة من المواطنين العرب، وتنتشر في أرجاء أربع بلدان عربية - اثنان منها ينزفان مواطنين واثنان آخران يكسبان لاجئين - وتعاني من انتكاسات هائلة على مستوى الصحة والتعليم والدخل. كما يهدّد هذا الوضع مستقبل جيل كامل من الشباب السوريين والعراقيين الذين يترعرعون في ظلّ صراع مديد وحدٍّ أدنى من الآفاق للمستقبل. وبالتالي قد يؤدّي اليأس المستشري في صفوف هؤلاء الشباب إلى توريط المنطقة في حلقة مفرغة من الانكشاف والهشاشة، ستحتاج إلى عقود للتعافي منها.

 

 

 

الهويات الطائفية وإعادة تشكيل المشهد السياسي

 

لعبت سياسة الهوية، أي استهداف المجتمعات على أسس عرقية وطائفية، دوراً بارزاً في الصراعات المتفاقمة في كلٍّ من العراق وسورية. وبينما يبدو البعض من هذه السياسات جديداً، ولاسيّما الحملات الهمجية الواسعة التي يشنّها تنظيم الدولة الإسلامية، ثمّة ممارسات أخرى متجذّرة في تاريخ طويل من الحكم في المنطقة، خصوصاً في العراق وسورية. وقد مهّدت حرب العراق في العام 2003، والتي كانت لحظة فاصلة في المنطقة، الأرضية الملائمة لتكاثر مأساوي في هذه الممارسات، ما أحدث تصدّعات جذرية في الهوية الوطنية والمجتمع العراقي. كما أن انهيار سيطرة الدولة السورية على أراضيها في العام 2011، حوّلها إلى بؤرة لتغيّرات اجتماعية سياسية مماثلة لما حدث في العراق، ولكن على نطاق أوسع بكثير، وسرّع عملية التفكّك الدراماتيكي في الجغرافيا، والتحوّل الكارثي في النسيج المجتمعي.

 

 

 

لعبت سياسة الهوية، أي استهداف المجتمعات على أسس عرقية وطائفية، دوراً بارزاً في الصراعات المتفاقمة في كلٍّ من العراق وسورية.

 

 

 

سياسات قديمة-جديدة

 

شهدت المنطقة العربية، وخصوصاً المشرق العربي، في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية، عمليات استهداف سياسي لشرائح مجتمعية محدّدة، فضلاً عن عمليات تهجير وحشية لمجتمعات بكاملها على أساس العرق أو الدين.

 

إقليمياً، ربما يشكّل النزوح الجماعي القسري للفلسطينيين في العام 1948، عند تأسيس دولة إسرائيل ومن ثم في العام 1967 بعد الحرب العربية-الإسرائيلية، أكبر عملية تشريد قسري على أساس الهوية في المنطقة في حقبة تأسيس الدولة وبناء الأمة. فقد غادر مايقرب من 726 ألف فلسطيني ديارهم وقراهم قسراً في العام 1948 خوفاً على حياتهم، وتبعهم 325 ألفاً آخرين في العام 1967.‏8 واليوم، هناك أكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني يقطنون المخيمات في دول عربية ومراكز حضرية في جميع أنحاء العالم. وقد قُدّر لهذا النزوح الفلسطيني أن يصبح أطول أزمة لاجئين عالمياً. كما لعبت القضية الفلسطينية دوراً محورياً في تشكيل وعي أجيالٍ متعاقبة من المواطنين العرب، وتكوين مفهومهم للعدالة. كما قُدّر لأزمة اللاجئين الفلسطينين المتواصلة أن تؤثّر على أطر ومضامين الاستجابات السياسية لكلٍّ من الأردن ولبنان، اللذين يستضيفان أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، علاوةً على السوريين الذين شُرّدوا قسراً في الآونة الأخيرة.

 

في سورية والعراق، أطال الصراع المستمر عقوداً من سياسات الهوية التي مارسها نظاما "حزب البعث" في كلا البلدين لأغراض سياسية. فقد وزّع الرئيسان السابقان حافظ الأسد في سورية وصدام حسين في العراق الخدماتِ الحكومية من سلعٍ وخدمات، على أساس المحاباة لبعض المجتمعات المحلّية وتهميش مجتمعات أخرى. كما سعى النظامان إلى "تعريب" المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل حقول النفط والسهول الزراعية، عن طريق نقل السكان العرب من الفقراء إلى هذه المناطق. على سبيل المثال، في العام 1972، أطلقت الحكومة السورية، في إطار خطة الإصلاح الزراعي، حملة مكثّفة على الأراضي التي يملكها الأكراد، والذين تم في السابق تجريد الكثيرين منهم من الجنسية السورية، فثبت الآلاف من المزارعين العرب في قرى نموذجية تم إنشاؤها في المنطقة.9 وفي العراق، شرّدت حملة التعريب التي بدأت في العام 1975 الأكراد والآشوريين والإيزيديين العراقيين من المحافظات ذات الأغلبية الكردية، ولاسيّما كركوك، في محاولةٍ لتقويض الطموحات الوطنية الكردية وتكريس سيطرة الحكم القائم على حقول النفط. كما تم نقل الكثير من العائلات العربية الفقيرة من قبل الحكومة، عبر إغرائها بعروض إسكان رخيصة في هذه المناطق.10

 

كما بادر نظاما حافظ الأسد وصدام حسين إلى شنّ هجمات وحشية ضد مجموعات سكانية مختارة، في إطار حملة أوسع لقمع حركات المعارضة، وتوطيد سلطتيهما في سورية والعراق. هذه الإجراءات مهّدت السبيل لمروحة أوسع من المظالم المعاصرة. ففي سورية، كان لحملة القمع ضد جماعة "الإخوان المسلمين" في عملية عسكرية جرت في العام 1982 الأثر الأكبر، إذ شملت حصاراً استمرّ ثلاثة أسابيع خرّب مدينة حماة، ودمّر معظم المباني التاريخية في وسطها، وأدّى إلى مقتل مابين 10 إلى 25 ألف من السوريين.11 وفي العراق، بلغت الهجمات ضد السكان الأكراد ذروتها في حملة الأنفال، التي تضمّنت أعمال إبادة جماعية عبر استخدام أسلحة كيماوية ضدّ بلدة حلبجة في العام 1988، ماخلّف آلاف القتلى. وفي العام 1991 أيضاً، هاجمت قوات صدام حسين وقتلت الآلاف من الشيعة، وخاصة عرب الأهوار الذين يبلغ تعدادهم نحو 250 ألفاً كانوا قد استقرّوا في ذلك الموئل الفريد منذ حوالى خمسة آلاف سنة.12

 

 

 

العراق 2003: نقطة تحوّل للمشرق العربي

 

تمثل حرب الخليج الثانية، التي بدأت في العام 2003، نقطة فاصلة أساسية بالنسبة إلى الدولة العراقية ومواطنيها، أطلقت عملية تحوّل عميقة وجذرية للدولة والمجتمع. وباستثناء الدمار الهائل الذي تسبّبت فيه في الأرواح وسبل العيش، أدّت الحرب، التي كانت تهدف إلى إسقاط دكتاتور وحشي، إلى تفكيك الدولة المركزية وسمحت لأطراف فاعلة جديدة، مثل تنظيم القاعدة وقوى خارجية بما في ذلك إيران، بكسب نفوذ في العراق. وفي الوقت نفسه، مهّدت القرارات السياسية التي اتُّخذت في فترة مابعد الحرب الطريقَ لظهور أشكال خبيثة من سياسات الهوية.

 

وبينما ضمن الدستور العراقي الجديد المساواة في الحقوق والحريّات الأساسية لجميع المواطنين، فإن نظام الحكم الذي تم العمل به أضفى الطابع المؤسّسي على التمثيل السياسي المبني على الهويات العرقية والطائفية، وركّز على مايفرّق بين المكونات المجتمعية المختلفة، عوضاً على الأواصر التي تجمعهم.13 وأدّى ظهور الشبكات القائمة على المحسوبية والفساد، فضلاً عن الآثار الكارثية لسياسات المحاباة وبث الشقاق في المجتمع التي انتهجها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، إلى تفاقم التوتّرات الطائفية، مامهّد الطريق في نهاية المطاف للصراعات اللاحقة التي اجتاحت العراق، وكذلك لظهور مايُسمى تنظيم الدولة الإسلاميةما يعرف بداعش .

 

وفي هذا السياق السياسي الأوسع، وقعت عمليات التهجير الممنهجة للسكان على مراحل مختلفة، وكانت تشتدّ مع تجدّد موجات الصراع. جرت أهم موجة تهجير على أساس الهوية أثناء الحرب الأهلية بين عامي 2006 و2008، عندما أجبر العنف الطائفي نحو 1.6 مليون عراقي على ترك منازلهم.14 وأعاد ذلك العنف أيضاً تشكيل أجزاء من الجغرافيا السياسية والاجتماعية في العراق على أساس عرقي أو طائفي، ما أدى إلى الفصل بين المدن والمناطق الإدارية. ومن الأمثلة على ذلك الجدار العازل الذي شيّدته القوات متعدّدة الجنسيات في العراق في العام 2007 حول حي الأعظمية لاستعادة الاستقرار في أعقاب موجة تفجيرات طائفية. فقد قسّم الجدار بغداد ومجتمعها إلى سلسلة من الجيوب المنفصلة التي اغتربت عن بعضها البعض، وعزّزت سرديات التموضع في موقف الضحية لدى فئاتها المجتمعية المختلفة.15 

 

وقد زاد الأوضاعَ سوءاً انعدامُ الإرادة السياسية لدى الحكومات العراقية المتعاقبة وفشلها في معالجة الجوانب المتعلقة بالهوية لهذه المأساة المستمرة، ماعنى استحالة عودة 759 ألف عراقي مسجّلين رسمياً كنازحين داخليين جرّاء جولات سابقة من الصراع، إلى ديارهم. ويُعتقد أن آلافاً آخرين من النازحين داخلياً غير مسجّلين لدى السلطات العراقية.16 تشمل العقبات الرئيسة التي تحول دون عودة النازحين قسراً إلى ديارهم، مساكن مدمّرة؛ وبنى تحتيّة متضرّرة، مثل المدارس والمستشفيات التي لم يتم ترميمها حتى الآن؛ ومعوّقات مؤسّساتية ومالية تتّسم بها عملية تسجيل النازحين داخلياً لدى وزارة الهجرة والمهجَّرين العراقية؛ وصدمات نفسية ولّدتها الحروب الضارية في مناطق السكن الأصلية؛ والخوف من العودة في غياب إجراءات واضحة لضمان سلامتهم. 

 

أدّى اكتساح تنظيم الدولة الإسلامية الأراضي العراقية في حزيران/يونيو 2014 إلى تكثيف عملية التهجير على أساس الهوية، وإلى إعادة تشكيل المناطق على أساس طائفي وعرقي. لم تتمكّن هذه الجماعة المارقة من السيطرة الإقليمية على مساحات كبيرة من بلدين وحسب، بل أعلنت أيضاً إنشاء دولة خاصة بها، أو خلافة ألغت الدولة الوطنية القائمة لصالح تفسير رجعي وإقصائي للهوية. في السنة التي تلت ذلك، فرّ 2.57 مليون شخص عقب استهداف تنظيم الدولة مجتمعات محلّية بأكملها تعايشت في سهول العراق على مدى قرون.17 غادر مسيحيو الموصل بيوت أجدادهم قسراً، غير أنهم كانوا أفضل حالاً من الإيزيديين والشبك والصابئة المندائيين والشيعة والتركمان، الذين تمت مطاردة الكثيرين منهم وقتلهم. انتشر السكان الفارّون في أكثر من 2000 موقع في أنحاء البلاد وخارج الحدود العراقية، إضافةً إلى عدد العراقيين الذين نزحوا بسبب النزاعات السابقة.18 ولايزال تنظيم الدولة الإسلامية يستعبد الآلاف من النساء والأطفال الإيزيديين.

 

 

 

أدّى اكتساح تنظيم الدولة الإسلامية الأراضي العراقية في إلى تكثيف عملية التهجير على أساس الهوية، وإلى إعادة تشكيل المناطق على أساس طائفي وعرقي.

 

 

 

 تجاوزت أهمية هذه الهجرات الجماعية التي فرضها تنظيم الدولة الإسلامية حجم حملاتها ووحشيتها المحضة. ففي ضربة واحدة، شنّ التنظيم حملة تطهير عرقي، أو مذبحة عربية، سعت إلى التخلّص مما تبقّى من التنوّع العرقي والثقافي الذي لطالما شكّل ركناً أساسيّاً من هوية العراق التاريخية. ويسعى تنظيم الدولة الإسلامية أيضاً إلى محو قرونٍ من التعايش والتمازج بين المجتمعات والجماعات العرقية والطائفية المختلفة. ولذا فإن التشتّت الواسع لهذه المجتمعات المحلّية يجعل ضمان استمرار بقائها أمراً بالغ الصعوبة.

 

وتُفاقم استجابات بعض المؤسّسات الحكومية لهذه الأزمة، التوتّرات القائمة على الهوية، وذلك بمعزلٍ عن وحشية تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المماثلة.

 

منذ العام 2014، استند بعض صانعي السياسة العراقية إلى اعتبارات طائفية وعرقية في قراراتهم بشأن نوع الدعم المقدّم إلى المجتمعات التي شرّدها تنظيم الدولة الإسلامية. على سبيل المثال، قدّمت السلطات في المنطقة الكردية في العراق، حيث لجأ مايقرب من 1.45 مليون من المشرّدين داخلياً، الدعم للمجتمعات الكردية والمسيحية والإيزيدية، في حين أبقت السنّة والشيعة والتركمان على حدود كردستان، لابل إنها نقلت بعض الشيعة إلى أنحاء أخرى في البلاد.19 إضافةً إلى ذلك، تم حرمان حوالي 611.700 من السنّة الذين نزحوا من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية من دخول المناطق التي تسيطر عليها الحكومة العراقية وقوات البشمركة الكردية، ولم يبق لهم سوى القليل من الخيارات في سياق بحثهم عن الأمان.20

 

استند بعض صانعي السياسة العراقية إلى اعتبارات طائفية وعرقية في قراراتهم بشأن نوع الدعم المقدّم إلى المجتمعات التي شرّدها تنظيم داعش..

 

 

 

كما أدّت علاقة الحكومة العراقية المعقّدة مع الميليشيات المحلية واعتمادها عليها في المهام الأمنية والعسكرية، إلى إضعاف الثقة في السلطة المركزية، وحدوث انتهاكات موثّقة ارتكبتها هذه الميليشيات على المستوى المحلّي. وقد أسهم ذلك في تأجيج التوتّرات المجتمعية، إضافةً إلى وضع تحدّيات إضافية في وجه إمكانيات المصالحة في المستقبل. فعلى سبيل المثال، عندما استعادت قوات تابعة للحكومة القرى والمدن الأصلية من المسلحين، لم يعد الكثير من النازحين إليها خوفاً على حياتهم. كما منعت القوات المحلية عودة آخرين بتهمة التعاطف مع تنظيم الدولة الإسلامية ,على العموم، تعزّز هذه العوامل الهويات الأولية أو مادون الوطنية على حساب الانتماء الوطني.  وهي تؤدّي أيضاً إلى تنامي ظاهرة عسكرة المجتمعات المحلية، العرقية والطائفية منها. وقد دفعت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على محافظة نينوى في حزيران/يونيو 2014، معظم المجتمعات المحلية إلى حمل السلاح إما برعاية الميليشيا الحكومية (المعروفة باسم الحشد الشعبي) أو قوات البشمركة، وهي تقاتل الآن لتحرير مناطقها من تنظيم الدولة الإسلامية. ونفّذ البعض أيضاً عمليات قتل انتقامية ضد من يعتبرونهم متعاونين مع تنظيم الدولة الإسلامية، وشكّلوا ميليشيات خاصة لحماية أنفسهم ومجتمعاتهم.22

 

 

 

تفكيك الدولة السورية

 

الردّ الوحشي لنظام الرئيس السوري بشار الأسد في العام 2011 على انتفاضة مدنيّة سلميّة تطالب بالإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فتح الباب أمام حروب متعدّدة، أهلية  وإقليمية، وانهيار دراماتيكي للدولة والمجتمع، والتي لم تُحاكِ الخسائر الهائلة في العراق وحسب، بل تجاوزتها أيضاً. فهناك سوري واحد من بين كل خمسة لاجئين على مستوى العالم، كما نزح 35 في المئة من السوريين قسراً في ظرف أربع سنوات.

 

عموماً، تخضع سورية اليوم إلى حكم خمسة أطراف مختلفة، إلى درجة أنها ليست خاضعة إلى حكم أي طرف على الإطلاق: الحكومة السورية، وتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، وهما جماعتان معارضتان لهما علاقات مع تنظيم القاعدة وحلفاؤها، والجيش السوري الحر، وجماعات متمرّدة أخرى والأكراد. وقد فقدت الدولة السورية سيطرتها على مايصل إلى 80 في المئة من أراضيها لهذه الأطراف، فضلاً عن آلاف الجماعات شبه العسكرية الأصغر حجماً.24 وتنفّذ الدولة أيضاً غارات جوية وحشية بالبراميل المتفجّرة القاتلة على مناطق مدنيّة في معظم أنحاء سورية. وتدلّ المؤشرات على أن هذه البراميل قتلت من المدنيين أكثر ممّن قُتلوا على يد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة مجتمعَيْن.

 

كانت الحصيلة الصافية لهذه الحروب المتعدّدة كارثيّة على حياة ومعيشة السوريين. فحتى الأول من كانون الثاني/يناير 2015، أودى الصراع بحياة نحو 206 آلاف شخص، إضافةً إلى جرح 840 ألفاً وأكثر من 85 ألف شخص يقال إنهم في عداد المفقودين،26 ويفترض أن القوات الحكومية ألقت القبض عليهم في بداية الانتفاضة المدنية. وقد لجأ مايقرب من 4 ملايين سوري من مجموع السكان البالغ 22 مليون نسمة إلى دول الجوار، إضافة إلى 7.6 مليون من النازحين داخل سورية.27 وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية داخل سورية يبلغ 12.2 مليوناً، بمن فيهم 460 ألف لاجئ فلسطيني.28

 

وفي الوقت نفسه، ازداد حجم الموارد المالية اللازمة لتلبية الاحتياجات الإنسانية بواقع خمسة أضعاف بين عامي 2012 و2015.‏29 وكانت الأضرار التي أصابت البنية التحتية والخسائر الاقتصادية هائلة.

 

 

وفيما عدا الخسائر في الأرواح والبنية التحتيّة المادية والاقتصادية، ثمّة أدلّة متزايدة تشير إلى أن الاستراتيجية الحربية للحكومة السورية والجماعات العسكرية الإقليمية تستند أيضاً إلى عمليات تشريد السكان على أساس الهوية، في مايرقى أيضاً إلى أن يكون تطهيراً عرقياً. وكما وصف مقرّر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، يشير الوضع إلى أن "انتهاكات محدّدة الهدف للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي تنفّذ على أسس تمييزية، أي على أساس الأصل الجغرافي أو الديني أو السياسي أو غير ذلك من الانتماءات المتصورة"، وتشكّل دافعاً لعملية النزوح.30 أما الهجمات الحكومية ضد المناطق ذات الكثافة السكانية العالية حيث لجأ النازحون فهي "تدلّ على استراتيجية تهدف إلى ترويع المدنيين"، على حدّ تعبير المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لجعل المناطق التي تسيطر عليها المعارضة غير صالحة للعيش، ودفع السوريين إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة أو إلى خارج البلاد.31 وتشير التقارير الإخبارية الأخيرة إلى اعتماد النظام السوري والفئات المتحاربة على استراتيجية ماكرة ومدروسة من الهندسة الطائفية، تنطوي على استبدال مجموعة سكانية طائفية بأخرى في المناطق الاستراتيجية

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع